عادل عبد الرحمن البدري
25
معالم الفكر السياسي ونظرية الدولة في الإسلام
حيث عناني من أمرك ما يعني الوالد الشفيق ، وأجمعت عليه من أدبك أن يكون ذلك وأنت مُقبل العمر ومقتبل الدهر ، ذونيّة سليمة ونفس صافية ، وأن أبتدئك بتعليم كتاب الله عزّ وجلّ وتأويله ، وشرائع الإسلام وأحكامه ، وحلاله وحرامه ، لا أجاوز ذلك بك إلى غيره ، ثمّ أشفقت أن يلتبس عليك ما اختلف الناس فيه من أهوائهم وآرائهم مثل الذي التبس عليهم ، فكان إحكام ذلك على ما كرهت من تنبيهك له أحبّ إليّ من إسلامك إلى أمر لا آمن عليك به الهلكة ، ورجوت أن يوفّقك الله فيه لرشدك وأن يهديك لقصدك « 1 » . فتجد هنا أنّ الإمام علي ( ع ) يطرح خلاصة تجربة اجتماعية وسياسية كانت له ولنا مقدّمة علمية لنظرية اجتماعية وسياسية ، هي اختلاف الأهواء والمصالح والاتجاهات بين البشر ، فكأن عليّاً ( ع ) وضع أسس علم الاجتماع السياسي في هذه الوصية . فالتأمّل والمشاهدة العقلية هي تجربة سياسية اكتملت لدى عليّ ( ع ) فاختزلها في وصيّة لولده الحسن ( ع ) ، وكأنّه عاش تفصيلات الحياة اليومية للناس ومشاهد الدول والحكومات التي كانت قائمة في حياة هؤلاء الناس ، ووقف على ما كان يجري بين هؤلاء الناس ، ووقف على ما كان يجري على هؤلاء من قوانين وأحكام ونظم ردّها إلى البناء الاجتماعي الذي كان ميدان العصر والزمان الذي تتالت عليه الملوك والحكّام ودولهم التي أسسوها ، فوضعها عليّ ( ع ) في سياقها التاريخي . ويعتقد سار توري أنّ معظم ما نطلق عليه مصطلح علم الاجتماع السياسي يجب أن نسمّيه أفضل من ذلك ، هي سوسيولوجيا السياسة ، ذلك أن الدراسات السوسيولوجية للظاهرة السياسية قد قامت على الافتراض الذي مؤدّاه : أنّ علم الاجتماع السياسي هو ميدان فرعي من علم الاجتماع ، ومن هذا المنظور أصبح هدف علماء الاجتماع السياسي هو تفسير الظواهر السياسية في ضوء متغيرات غير سياسية مثل الطبقات الاجتماعية ، والتدرّج الاجتماعي . وإذن فالقصد من علم الاجتماع السياسي هو في الحقيقة إخضاع
--> ( 1 ) نهج البلاغة ص 393 كتاب رقم 31 .